نظرية المضار غير المألوفة للجوار للباحث ذ. سعيد كرومي

لما كان الإنسان كائن اجتماعي لا يمكن أن يعيش بمعزل عن الجماعات من بني جنسه فإن حياته مهما اتسعت نطاقا لا يمكنها أن تتعدى مجالا جغرافيا محددا،مثلما لا يمكنه الإستئتار بكامل المجال الجغرافي،وإنما بالنظر لارتباطه بعلاقات ومصالح متبادلة مع جواره،فإن حقه ينتهي عند بلوغ حق الشخص الأخر.

ومنه فإن وجود القانون إنما يعزى لحماية الحقوق ووضع حدود لها،وأنه لا يمكن تصور توفير حماية قانونية مطلقة للحق دون قيود أو حدود إلا في الحالة التي يعيش فيها الشخص بمفرده داخل جزيرة خالية،بخلاف العيش وسط التجمعات أو الجماعات كيف ما كان الوصف الذي يمكن  أن نسوغه لها في الظرف الراهن سواء أكانت ذلك من وسط قرية أو مدينة أو دولة أو حتى المجتمع الدولي.

ومن تم فإن القول بكفالة القانون لحق شخص يحيى وسط مجموعة من الأشخاص بشكل مطلق سيؤدي  حتما إلى انتهاك حقوق أناس آخرين،مما سيترتب عنه عموم الفوضى واللاستقرار،بما فيه من عودة إلى فترة اللاقانون،وهنا يبرز دور القانون حيث على الرغم من اعترافه بمبدأ الملكية الفردية أو الخاصة إلا أنه رسم حدودا لممارسة حق الملكية ينبغي عدم مخالفتها للتشريعات أو الاتفاقات وهو ما تؤكده مدونة الحقوق العينية[1] في المادة 14 منها”يخول حق الملكية مالك العقار دون غيره سلطة استعماله واستغلاله والتصرف فيه،ولا يقيده في ذلك إلا القانون أو الاتفاق.”وكذا المادة 19 من نفس القانون التي تنص على أنه”لملك العقار مطلق الحرية في استعمال ملكه واستغلاله والتصرف فيه،وذلك في النطاق الذي تسمح به القوانين و الأنظمة الجاري بها العمل.”[2].

ولا يقتصر الحد من نطاق حق الملكية بما يتوافق مع التشريعات والاتفاقات وإنما يبقى من الممكن أن تؤدي الممارسة العادية للحق إلى إلحاق ضرر يثير مسؤولية المالك المتسبب في الضرر.

أهمية الموضوع

تتجلى أهمية الموضوع قيد الدراسة،من خلال تداخل مقاربته من عدة مناحي منها الشرعية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية:

-فمن الناحية الشرعية فإن الشريعة الإسلامية كانت سباقة إلى تنظيم مضار الجوار قبل محاولة التأصيل لها من قبل عدة نظريات فقهية تأثرت بها التشريعات فيما بعد،حيث جاء في قوله عز وجل في كتابه الحكيم “واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا”[3]،وكذا قوله صلى الله عليه وسلم“لا ضرر ولا ضرار”.

-من الناحية القانونية فإن علاقات الجوار أضحت تشكل نسبة مهمة من طبيعة المشاكل التي تنشب بين الأشخاص سواء في إطار القانون الدولي العام أو في إطار القانون الداخلي أو الوطني.

-من الناحية الاقتصادية فإن جلب الإستتمارات واستقطاب المشاريع ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار ما تفرضه قوانين البيئة وما تقتضيه حتمية عدم إداية سلامة وصحة المجاورين لهذه المنشآت كالمصانع التي تتسبب في التلوث البري أو المائي أو الجوي،والتي إضافة إلى تأثيرها على البيئة فهي تشكل خطرا على صحة الجار.

-من الناحية الاجتماعية فإن التحولات التي يعرفها المجتمع إن على مستوى نمط التفكير الذي يلحظ عليه تغييبه في غالب الأحيان لمقاصد الدين الإسلامي،أو على مستوى بروز قوالب جديدة للتعايش كالملكية المشتركة،أفضى إلى تغليب الأنانية على ضرورة مراعاة مبدأ عدم الإضرار بالغير.

إشكالية البحث وخطته

إن الموضوع الذي بين أيدينا يثير إشكالية جوهرية مفادها،يتمحور حول مدى قدرة مقتضيات القانون المغربي على تأطير العلاقات الجوارية ،وما موقف المشرع المغربي من النظريات التي أسست علها المسؤولية عن مضار الجوار غير المألوفة؟

وبغرض الإجابة عن هذه الإشكالية ،ارتأينا تقسيم موضوع بحثنا إلى المبحثين التالين:

المبحث الأول:أساس نظرية المضار غير المألوفة للجوار

المبحث الثاني:شروط تحقق المسؤولية عن مضار الجوار غير المألوفة و آثارها

لتحميل المقال كاملا اضغط هنا 

The post نظرية المضار غير المألوفة للجوار للباحث ذ. سعيد كرومي appeared first on موقع الآفاق القانونية.

المواضيع ذات صلة