منهج الشرع في التعامل مع الأوبئة وسبل الإستفادة منه للتصدي لفيروس كوفيد المستجد الأستاذ: علي العزاوي

منهج الشرع في التعامل مع الأوبئة وسبل الاستفادة منه للتصدي لفيروس كورونا المستجد

للباحث: على العزاوي

مقدمة:

إن للمرض في الإسلام فلسفة لا تجدها في غيره ، فالإسلام مشروع ومنهج منتظم ومتكامل، ما من شاردة إلا وبين فيها ، ومن ذلك انتشار الأوبئة وشيوعها بين الناس، ومن أهم الأسباب ما جاء على لسان خير من نطق الضاد  : «لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتّى يُعلنوا بها، إلّا فَشَا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا.» وهذا نص صريح لا احتمال للتأويل فيه، ومع هذا رحمة النبي بأمته لا نظير لها بين حملة الرسائل السماوية ، حتى مع تفشي الطاعون والأوجاع المستعصية، يوجه أمته لآليات وقائية تمنع انتشار المرض وتمنح فرصة مراجعة النفس والتوبة وإصلاح الحال وتدارك الأمر قبل فوات الأوان، حتى من لقي حتفه بهذه الأوبئة فقد وسمه النبي بوسام الشهادة.

فمن الآليات الوقائية من الأوبئة في الإسلام :

(1)الحجر الصحي:  وهو نوعان: (أولا)الامتناع عن الفرار من وباء الطاعون : فقد ثبت عنه  : أنه قال عن الطاعون  «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فلاَ تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ.» و(ثانيا)الامتناع عن الدخول على الغير في حال المرض: وقال  : «لا يورد ممرض على مصح» وإن كان هذا في معرض الحديث عن الإبل، لكن تعتبر من القواعد الوقائية، فإن كان بين الناس مريض فلا يرد عليهم أي لا يختلط ولا يدخل عليهم .

(2)الفرار من الجذام: مرض الجذام وهو من يتساقط لحمه فقال «فر من المجذوم فرارك من الأسد « وكذلك كل مرض يقوم مقام المجذوم .
(3)عدم الاعتقاد أن المرض ينتقل بنفسه: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، ولا نوء ولا غول، ويعجبني الفأل» ولا في اللغة نافية للجنس أي تنفي في الحديث جنس العدوى أي لا وجود للعدوى ، وقد يتبادر للذهن كيف ذلك، فقد قام  أعرابي مقامنا وسأل النبي  : عن ذلك «يا رسول الله الإبل تكون في الصحراء، كأنها الغزلان، فيدخل فيها البعير الأجرب فيجربها، فقال  : «فمن أعدى الأول»، فالعدوى لا تنتقل بنفسها بل المرض من الله، وهذا إيمان المسلمين بالقضاء والقدر خيره وشره.
فالشريعة وسمت بعض الأمراض المنتشرة في عصر النبي: ،فبين الحبيب الأسباب والآليات، فلم يذكر الدواء لأن ذلك مرده للجهد البشري ليكون سببا في طلب الشفاء، وحض على الوقاية بطرق لا مناص منها اليوم أمام ترسانة العلوم والبحوث الحديثة، وحتى لا تنسى البشرية أنها ليست بمنأى عن توحيد الله اضطرارا، وأن الشفاء من الله وحده فهو الرب وليست الأسباب المتمثلة في الأدوية والعنصر البشري ، لذلك كان من قول إبراهيم عليه السلام «وإذا مرضت فهويشفيني).
والمؤمن لا تمر عليه مثل هذه الأحداث دونما أن يضع نقطة يتوقف عندها ،يحاسب نفسه محاسبة الشريك فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، فما يسمى داء الكورونا لا يخلوا أن يكون آية من آيات الله التي يخوف بها عباده لعلهم يسارعون إلى التوبة والاستغفار والتراحم فيما بينهم «وَمَا نُرسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخوِيفًا»، فالنفس تأمر بالسوء وتنسي صاحبها في أن قوة ما لا يمكن الوقوف بطريقها، فتقزم نفسها إلى مرتبة العبودية الحقة، وليعلم الإنسان أن أمر الله إذا جاء فلا راد له إلا هو، فتظهر الخضوع لله فترجع إليه و تركن إليه، وتضع القطار على السكة المطلوبة ، ويستقر في العقول أنما الأمم إنما عذبت بذنوبها « فَكُلاًّ أَخَذنَا بِذَنبِهِ، فَمِنهُم مَن أَرسَلْنَا عَلَيهِ حَاصِبًا وَمِنهُم مَن أَخَذَتهُ الصَّيحَةُ وَمِنهُم مَن خَسَفنَا بِهِ الأَرضَ وَمِنهُم مَن أَغرَقنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظلِمَهُم وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونً « ولله الأمر من قبل ومن بعد ، فهي فرصة مادامت الأنفاس.

التعلق بالقرآن بركة
تعلَّق بالقرآن تجد البركة في كل حياتك! فقد قال الله عز وجل كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
ومن بركته: أنه ما زاحم شيئًا إلا باركه ببركته!  وكان أحد المفسرين يقول: (اشتغلنا بالقرآن فغمرتنا البركات والخيرات في الدنيا)، وقال إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي موصيًا الضياء المقدسي لما بدأ يشق طريقه لتعلم الحديث: (أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه، فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ). قال الضياء: (فرأيت ذلك وجربته كثيرًا، فكنت إذا قرأتُ كثيرًا تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي)، وقال أحد السلف: (كلما زاد حزبي -أي: الورد اليومي- من القرآن زادت البركة في وقتي، ولا زلت أزيد حتى بلغ حزبي عشرة أجزاء.)، وقال عبد الملك بن عمير: (كان يُقال إن أبقى -أو أنقى- الناس عقولًا قُـرَّاء القرآن). وقال القرطبي: (من قرأ القرآن مـُتِّـعَ بعقله وإن بلغ مائة،)، قال ابن الجوزي: (تلاوة القرآن تعمل في أمراض الفؤاد ما يعمله العسل في علل الأجساد)،  وقال شيخ الإسلام: (ما رأيت شيئا يغذِّي العقل والروح ويحفظ الجسم ويضمن السعادة أكثر من إدامة النظر في كتاب الله تعالى)، فاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وشفيعا لنا.

دواء الكورونا في مخابر البحث وليس في كتب الأوهام !
من حق أي عالم أو واعظ ديني أن يحث المسلمين على كثرة الدعاء والصدقة ليرفع الله تعالى البلاء عن الناس ويرحم خلقه بهدايتهم لعلاج فيروس كورونا وغيره من الفيروسات والأمراض، كما أن من حقه بل من واجبه أن يحثهم على الالتزام بآداب الإسلام في الوقاية الصحية بدءا بالحجر الصحي إلى أدأب الطهارة وغسل اليدين وتحاشي الخبائث والنجاسات والمحرمات في الأطعمة والأشربة والعادات السيئة، لأن ها كله من صميم الدين وصلب التدين مظاهره؛ بيد أنه إن تخطى هذا المجال وادعى أن له لقاحا أو دواء لمثل هكذا فروس ورد على لسان الشرع فذاك نوع من الاستخفاف بالعقول وتعريض الدين العظيم لنوع من السخرية والاستهتار وإدخاله في معتقدات الدجل والكهانة التي حاربها الإسلام، وتقويله ما لم يقل، فدواء الكورونا مبثوث في الطبيعة يسخر له العلماء والباحثون مسلمين كانوا أم غيرهم، الوقت والجهد والإمكانيات المادية حتى يعثروا عليه وليس مبثوثا في أوهام الدجالين وعثور العلماء على الدواء في الطبيعة تأكيد لعمة الله ووحدانيته لأنه خالق كل شيء الداء والدواء وليس خروجا عن دائرة عظمته، والإسلام دين هداية ووقاية بالأساس وليس كتاب طب مادي يصف للناس الدواء في وصفات طبية، وقد ادعى عالم مسلم منذ سنوات العثور على علاج السيدا ثم تبين أن لا أثر لدلك سوى ما توهمه.

اقتراح تعليق صلاة الجمعة في صلب النقاش الإسلامي العالمي
أعلنت سنغافورة أنها ستغلق جميع المساجد لمدة 5 أيام على الأقل لتطهيرها بهدف منع انتشار فيروس كورونا المستجد. وأشار المجلس الإسلامي في سنغافورة، إلى أن الإغلاق، وأن السلطات تحاول تعقب 90 مواطنا حضروا مؤتمرا إسلاميا في كوالالمبور. وفي مصر قال وزير الأوقاف المصري مختار جمعة، إنه في حالة طلب أهل العلم من وزارة الصحة منع إقامة صلاة الجمعة خوفا من انتشار فيروس كورونا، فالمنع هنا جائز. كما أكد الوقف السني في العراق عدم وجود مانع شرعي من تعليق صلاة الجمعة والاكتفاء بصلاة الظهر في البيوت، ضمن إجراءات مكافحة انتشار فيروس كورونا في البلاد، بالمقابل ودعا رجل الدين العراقي الطائي، إلى الاستمرار بالشعائر الدينية من صلوات الجمعة والجماعة وزيارة المراقد المقدسة»، مبيناً أن «الوقاية وإن كانت مطلوبة، وهي إتباع لسنة الله الأسباب والمسببات، إلا أن الغفلة عن الجانب الغيبي والالتجاء إلى الله والتضرع إليه والاستغفار له الأولوية على توخي الحذر من هذه التجمعات.
وفي تونس علق ديوان الإفتاء إجراءات اعتناق الإسلام توقيا من انتشار عدوى فيروس كورونا المستجد. وأعلن الديوان في بيان إن تعليق إجراءات اعتناق الإسلام أو التثبيت عليه وقتيا، في نطاق الاحتياطات المتبعة لتجنب العدوى بالفيروس.

The post منهج الشرع في التعامل مع الأوبئة وسبل الإستفادة منه للتصدي لفيروس كوفيد المستجد الأستاذ: علي العزاوي appeared first on موقع الآفاق القانونية.

المواضيع ذات صلة